لم تكن الأزمات السياسية التي تشهدها دول إفريقية منذ منتصف عام 2017 إلى اليوم سوى عودة جديدة لظاهرة “الرئاسة المهيمنة” أو “الرئاسة الإمبراطورية” و”سياسة الرجال الأقوياء”؛ حيث يتشبث رؤساء بالسلطة الرئاسية ويحاولون البقاء في الحكم مدى الحياة من خلال الممارسات غير القانونية أو عبر تعديل الدساتير المعمول بها بما يتوافق مع هذه الأهداف رغم أنف المعارضات السياسية لها والاحتجاجات الوطنية(1).

ففي بداية أغسطس /آب 2020، أكد رئيس ساحل العاج، الحسن واتارا، تلك الإشاعات المثيرة والمثارة حول مساعي ترشحه لفترة ولاية ثالثة في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2020، وذلك عندما قَبِل رسميًّا اختيارَ حزبه له. وعلى المنوال نفسه، سعى الرئيس الغيني، ألفا كوندي، الذي دفع عجلة تعديل دستور غينيا كوناكري وطلب منه حزبه “تجمع الشعب الغيني” الحاكم أن يترشح لفترة ولاية ثالثة(2).

على أن مؤيدي الرئيسين، العاجي والغيني، وإذ يصرون على ضرورة ترشحهما لفترة رئاسة إضافية لحاجتهما لدفع عجلة التطوير في بلادهما وتكملة مشاريعهما، فإن استمرار أعمال العنف والمظاهرات في البلدين يؤشر على أن قراريهما قد يفتحان صفحة شبه مغلقة من جديد في تاريخ إفريقيا ما بعد الاستقلال؛ حيث أدت محاولات بعض الزعماء للبقاء في الحكم رغم انتهاء فتراتهم الرئاسية فيما بين ستينات القرن الماضي ونهاية الثمانينات إلى إعاقة الاستقرار السياسي الذي تتطلبه التنمية الاجتماعية والاقتصادية في هذه الدول(3).

جدلية تمديد الفترات الرئاسية

تختلف وجهات النظر عند الحديث عن تمديد الفترات الرئاسية من قبل الرؤساء، فهناك من يؤيده بدعوى أن المجتمعات الإفريقية مَلَكية أو زعامية في إدارتها وقيادتها، وأن تنفيذ الأجندات التنموية يتطلب أعوامًا أكثر مما تنص عليها غالبية الدساتير الوطنية، كأربع أو خمس سنوات لكل مدة رئاسية لا تتجاوز فترتين.

ويرى آخرون أن القول بملكية الإدارة السياسية وزعامية القيادة يتغاضى عن حقيقة أن المجتمعات الإفريقية القديمة تميزت بوجود مجالس للحكماء ومؤسسات أخرى التي ساعدت على ضمان الانضباط ومساءلة الملك ومسؤولي الدولة(4). كما أن التركيبة الاجتماعية في الدولة القديمة تختلف تمامًا عن طبيعة الدولة الحديثة التي رسمت حدودها القوى الكولونيالية وجمعت بين مختلف القبائل والشعوب ذات التاريخ المختلف والثقافات المتنوعة(5)، وهو ما أجبر الأحزاب السياسية ببعض الدول الحديثة، مثل نيجيريا، على تبني خطة تناوب الرئاسة بين المجموعات العِرقية الرئيسية في مختلف أقاليم البلاد، وذلك لتفادي الصراعات التي قد تنتج عن شعور مجموعة عرقية بهيمنة مجموعة أخرى على السلطة الرئاسية(6).

وفي حين يمكن تتبع “الرئاسة المهيمنة” في إفريقيا الحديثة إلى أنشطة زعماء المقاومة ونضالات الاستقلال ومواقف أولئك الذين استلموا منهم مكاتب الرئاسة في مختلف بلدانهم، إلا أن المقارنة بين الزعماء الأفارقة من الستينات حتى نهاية الثمانينات وبين رؤساء التسعينات حتى اليوم تُظهر أن جُلَّ رؤساء المجموعة الأولى كانوا أكثر اهتمامًا بالاستقرار السياسي والتنمية؛ خاصة وأن منهم من استقال من منصبه طوعًا، رغم أن دساتير بلادهم وقتذاك لم تحدد مدة الفترات الرئاسية(7)، ومبررات استقالاتهم أصبحت يُنظر إليها من قبل رؤساء اليوم بـ”الواهية”؛ فالزعيم التنزاني، جوليوس نيريري، قدَّم استقالته من رئاسة تنزانيا، في عام 1985، وسلَّم المكتب لخليفته، علي حسن مويني(8)، بينما فضَّل الزعيم السنغالي، ليوبولد سنغور، التنازل عن منصبه الرئاسي، في عام 1980، قبل نهاية ولايته الخامسة(9).

بل لم تُسْعِف جهود التسعينات للدمقرطة التي شهدها العديد من السياسات الإفريقية وحاولت تغيير الممارسات السياسية من عملية قائمة على شخصية الزعيم إلى ممارسة تشاركية مدنية وفق القوانين الوطنية؛ إذ أثبتت الأحداث ومساعي تعديل الدستور من هذه الفترة حتى اليوم صعوبة اجتثاث “الرئاسة الإمبراطورية” من المشهد السياسي الإفريقي، وذلك بسبب بمرونتها وقدرتها على التكيف وخاصة في أنظمة السياسة ذوات الاعتبارات الضعيفة لقوة القوانين(10).

وكانت النتيجة أن كان في إفريقيا حاليًّا سبعة من أطول الرؤساء حُكمًا على مستوى العالم، وكلهم في فترة من الفترات قد طبقوا مختلف سيناريوهات تعديل الدستور لتمديد مدة رئاستهم؛ فرئيس غينيا الاستوائية، تيودورو أوبيانغ نغويما، يحكم بلاده منذ عام 1979، ووصل الرئيس الكاميروني، بول بيا، إلى السلطة في عام 1982، بينما يحكم الرئيس، إدريس ديبي، منذ توليه السلطة بعد انقلاب عام 1990(11).

تعديل الدستور والنماذج البارزة

إنَّ عَدَّ بعض الباحثين السياسيين ظاهرة “الرئاسة المهيمنة” من سمات السياسة الإفريقية لا يعني تجاهل جميع المبررات التي يقدمها الرؤساء، وخاصة الذين لجؤوا إلى تعديل قوانين بلادهم لدواع وطنية. ولذلك، دعا البعض إلى النظر لكل حالة منفردة لكيلا يؤدي التعميم إلى تجاهل الخصائص أو الاعتبارات اللازمة لدول أو فترة معينة.

ويمكن القول: إن الزعيم الناميبي، سام نجوما، كان أول من مدَّ فترة رئاسته من بين القادة المنتخبين ديمقراطيًّا في التسعينات؛ فهو زعيم حزب “منظمة شعب جنوب غرب إفريقيا” منذ إنشائه في الستينات، وقاد مع آخرين نضالات استقلال ناميبيا، ولذلك انتُخِب أول رئيس للبلاد بعدما فاز حزبه بالأغلبية في أولى انتخابات ناميبيا الديمقراطية(12).

على أن الدستور الجديد في ناميبيا المستقلة إذ حدَّد منصب الرئاسة بفترتين مدة كل منهما خمس سنوات؛ فقد أثيرت في نهاية الفترة الثانية لرئاسة نجوما نقاشات حول إمكانية ترشحه لفترة رئاسية ثالثة (من 1999 إلى 2005)، وهو ما يخالف تصريحات نجوما نفسه، في عام 1996، عندما قرر أنه سيترك المجال بعد انتهاء فترتيه الرئاسيتين لمترشحٍ أصغر سنًّا داخل حزب “سوابو”، ولكنه تراجع عن القرار في أبريل/نيسان 1997 عندما أعلن أمام الجمعية الوطنية أنه ما زال “شابًّا” قادرًا على الاستمرار في المنصب إذا أراد الناميبيون ذلك(13).

لقد نجح الزعيم، نجوما، في مساعي الفترة الثالثة ورفض قبول مقترح الترشح لفترة رابعة بدعوى تقدمه في العمر وتدهور صحته؛ إذ طلب منه أعضاء حزبه أن يواصل رئاسته لناميبيا طالما كان قادرًا على ذلك صحيًّا. وهذا يتوافق مع ما شهدته سياسات عدد من الدول الإفريقية بُعَيد الاستقلال؛ حيث يعتبر الحزب الحاكم أو مجموعة من المواطنين بقاء الرئيس على رأس السلطة تشريفًا ومكافأة مستحقة على ما قدَّمه للبلاد من نضالات ومقاومات للاستقلال(14).

وبالنسبة لزعماء التسعينات إلى اليوم؛ فقد فضَّل بعضهم مصالح البلاد كالزعيم، نيلسون مانديلا، الذي اكتفى بفترة ولاية واحدة مدتها خمس سنوات ولم يمس الدستور رغم اعتباره أبًا لجنوب إفريقيا(15). بينما فشل الزعيم النيجيري، أولوسيغن أوباسانجو، أول رئيس في الجمهورية الرابعة بنيجيريا، في أجندته لتأمين فترتين أخريين من خلال محاولة تعديل الدستور في عام 2007(16).

وهناك من نجحوا في محاولاتهم، كالراحل، بيير نكورونزيزا، في بوروندي الذي أسفرت إعادة انتخابه، في 2015، عن مقتل مئات البورونديين ولجوء نصف مليون إلى دول الجوار(17)، ودينيس نغيسو في جمهورية الكونغو، عام 2015، الذي ألغى تحديد السن والفترة التي قد تمنعه من الترشح لمرة أخرى؛ وإسماعيل عمر جيله في جيبوتي؛ حيث وافق المشرِّعون على تعديل الدستور، في عام 2010، مما مهَّد له طريق الترشح لولاية ثالثة؛ ويوري موسيفيني في أوغندا، الذي تولى السلطة في عام 1986 وحذف من الدستور، في عام 2005، البند الذي حدَّد مدة الفترة الرئاسية كما ألغى في عام 2017 تحديد سن المرشحين للرئاسة، مما مهد الطريق أمامه للترشح في انتخابات عام 2021 المقبلة(18).

One thought on “الرئاسة المهيمنة ومعضلة تغيير الدستور في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *